عثمان بن جني ( ابن جني )

107

الخصائص

مريدوه ومعتقدوه ؛ ألا ترى أن من يقول : إن الحركة تحدث بعد الحرف ، ومن يقول : إنها تحدث مع الحرف قد أطلقوا جميعا هذا القول الذي هو قولهم : إن الواو حذفت من يعد ونحوه لوقوعها بين ياء وكسرة ، فلو كانوا يريدون ما عزوته إليهم وحملته عليهم ، لكانوا مناقضين ، وموافقين لمخالفهم ، وهم لا يعلمون . وهذا أمر مثله لا ينسب إليهم ، ولا يظنّ بهم . فإذا كان كذلك علمت أن غرض القوم فيه ليس ما قدّرته ولا ما تصوّرته ؛ وإنما هو أنّ قبلها ياء وبعدها كسرة ، وهما مستثقلتان . فأما أن تماسّا الواو وتباشراها على ما فرضته وادّعيته فلا . وهذا كثير في الكلام والاستعمال ؛ ألا ترى أنك تقول : خرجنا فسرنا ، فلما حصلنا بين بغداد والبصرة كان كذا . فهذا كما تراه قول صحيح معتاد ؛ إلا أنه قد يقوله من حصل بدير العاقول ، فهو - لعمري - بين بغداد والبصرة ، وإن كان أيضا بين جرجرايا والمدائن ، وهما أقرب إليه من بغداد والبصرة . وكذلك الواو في يوعد هي لعمري بين ياء وكسرة ، وإن كان أقرب إليها منهما فتحة الياء والعين . وكذلك يقال أيضا : هو من عمره ما بين الخمسين إلى الستين ، فيقال ذلك فيمن له خمس وخمسون سنة ، فهي لعمري بين الخمسين والستين ، إلا أن الأدنى إليها الأربع والخمسون ، والست والخمسون . وهذا جلىّ غير مشكل . فهذا أحد الموضعين . وأمّا الآخر فإن أكثر ما في هذا أن يكون حقيقة عند القوم ، وأن يكونوا مريديه ومعتقديه . ولو أرادوه ( واعتقدوه ) وذهبوا إليه لما كان دليلا على موضع الخلاف . وذلك أن هذا موضع إنما يتحاكم فيه إلى النفس والحسّ ، ولا يرجع فيه إلى إجماع ولا إلى سابق سنّة ولا قديم ملّة ؛ ألا ترى أن إجماع النحويين في هذا ونحوه لا يكون حجّة ؛ لأن كل واحد منهم إنما يردّك ويرجع بك فيه إلى ( التأمّل والطبع ) لا إلى التبعية والشرع . هذا لو كان لا بدّ من أن يكونوا قد أرادوا ما عزاه السائل إليهم واعتقده لهم . فهذا كلّه يشهد بصحّة مذهب سيبويه في أن الحركة حادثة بعد حرفها المحرّك بها . وقد كنا قلنا فيه قديما قولا آخر مستقيما . وهو أن الحركة قد ثبت أنها بعض حرف . فالفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمّة بعض الواو . فكما